مجمع البحوث الاسلامية
397
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
والارتياح . وكم من أمّة غنيّة قويّة ولكنّها تعيش في شقوة ، مهدّدة في أمنها ، مقطّعة الأواصر بينها ، يسود النّاس فيها القلق ، وينتظرها الانحلال . فهي قوّة بلا أمن ، وهو متاع بلا رضى ، وهي وفرة بلاصلاح ، وهو حاضر زاه يترقّبه مستقبل نكد ، وهو الابتلاء الّذي يعقبه النّكال . إنّ البركات الحاصلة مع الإيمان والتّقوى ، بركات في الأشياء ، وبركات في النّفوس ، وبركات في المشاعر ، وبركات في طيّبات الحياة ، بركات تنمي الحياة وترفعها في آن ، وليست مجرّد وفرة مع الشّقوة ، والتّردّي والانحلال . ( 3 : 1338 ) الطّباطبائيّ : البركات : أنواع الخير الكثير ، ربّما يبتلي الإنسان بفقده كالأمن والرّخاء والصّحّة والمال والأولاد وغير ذلك . وقوله : لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ الأعراف : 96 ، فيه استعارة بالكناية ، فقد شبّهت البركات بمجاري تجري منها عليهم كلّ ما يتنّعمون به من نعم اللّه ، لكنّها سدّت دونهم فلا يجري عليهم منها شيء ، لكنّهم لو آمنوا واتّقوا لفتحها اللّه سبحانه ، فجرى عليهم منها بركات السّماء من الأمطار والثّلوج والحرّ والبرد ، وغير ذلك كلّ في موقعه ، وبالمقدار النّافع منه ، وبركات الأرض من النّبات والفواكه والأمن وغيرها . ففي الكلام استعارة المجاري للبركات ، ثمّ ذكر بعض لوازمه وآثاره ، وهو الفتح للمستعار له . ( 8 : 201 ) عبد الكريم الخطيب : هو تعقيب على ما حلّ بالظّالمين من بلاء ونكال ، ثمّ هو وعيد للمشركين من أهل مكّة ، وما حولها من القرى . فهؤلاء الّذين أخذوا بظلمهم ، لو أنّهم آمنوا باللّه ، وصدّقوا رسله ، واتّقوا محارم اللّه ، وأقاموا شريعته ، لكانوا في عافية من أمرهم ، وفي سعة من رزقهم ، ولفتح اللّه عليهم بركات من السّماء الّتي رمتهم بالصّواعق ، وبركات من الأرض الّتي زلزلت بهم ، ورجفت ، وفغرت أفواهها لابتلاعهم . أفلا يكون في هؤلاء القوم عبرة لمعتبر ، وذكرى لمن يتذكّر ؟ وما ذا تنتظر أمّ القرى ومن حولها ، وقد استغلظ فيها الشّرك ، وعاث فيها المشركون ؟ والسّؤال هنا : هل من مقتضى الإيمان والتّقوى أن تفتح على المؤمن التّقيّ بركات من السّماء والأرض ؟ أو بمعنى آخر : هل المؤمنون الأتقياء هم أكثر النّاس رزقا وأوفرهم مالا ؟ وكيف ؟ والمشاهد أنّ الّذين يجتمع إلى أيديهم الغنى والجاه والسّلطان ، هم الّذين لا يؤمنون باللّه ، أو الّذين يؤمنون به ولكن لا يتّقونه ولا يوقّرون حرماته ! فما تأويل قوله تعالى : وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ . . . الأعراف : 96 . والجواب : أنّ المؤمن باللّه ، المتّقي لحرماته ، هو أكثر النّاس غنى في قلبه ، وقناعة في نفسه ، ورضى بقدره . فالقليل في يد المؤمن التّقيّ هو كثير مبارك فيه ، يسدّ حاجته ، ويجلي عن نفسه هموم الدّنيا ، ويقيمه على رضى دائم واطمئنان متّصل ، وسلام مقيم مع نفسه ومع